الغزالي

5

إحياء علوم الدين

من أصابع الرحمن ، وأنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين ، وينخفض إلى أفق الشياطين وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ، ويرتقى إلى عالم الملائكة المقربين ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ، ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال الله تعالى فيه * ( نَسُوا الله فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ) * « 1 » فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين ، وأساس طريق السالكين وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجرى على الجوارح من العبادات والعادات ، وهو العلم الظاهر ، ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجرى على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات ، وهو العلم الباطن ، فلا بد أن نقدم عليه كتابين كتابا في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه ، وكتابا في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه . ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات . فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام ، فإن التصريح بعجائبه وأسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت ما يكل عن دركه أكثر الأفهام . بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل وما هو المراد بهذه الأسامي اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب ، ويقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي ، واختلاف معانيها وحدودها ومسمياتها . وأكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي ، واشتراكها بين مسميات مختلفة . ونحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا اللفظ الأول : لفظ القلب ، وهو يطلق لمعنيين . أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهو لحم مخصوص ، وفي باطنه تجويف ، وفي ذلك التجويف دم أسود ، هو منبع الروح ومعدنه . ولسنا نقصد الآن شرح شكله وكيفيته ، إذ يتعلق به غرض الأطباء ، ولا يتعلق به الأغراض الدينية . وهذا القلب موجود للبهائم

--> « 1 » الحشر : 19